
جلالة الملكة رانيا موذجًا معاصرًا للمرأة الأردنية القيادية
في البدايات الأولى لتشكّل الدولة الأردنية الحديثة، ومع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 بقيادة عبد الله الأول بن الحسين، لم تكن المرأة الأردنية على هامش الحدث، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج البناء الوطني، تؤدي دورها بصمتٍ عميق، وتشارك في ترسيخ القيم الاجتماعية التي قامت عليها الدولة.
وفي قلب هذه المرحلة، برزت الملكة مصباح بنت ناصر، زوجة الملك المؤسس، كأول حضور نسوي ملكي في تاريخ الأردن، حيث مثّلت نموذجًا هاشميًا أصيلًا للمرأة في مرحلة التأسيس. لم يكن دورها سياسيًا مباشرًا، إلا أنها أسهمت في بناء البعد الاجتماعي للدولة، من خلال قربها من المجتمع، وعلاقاتها الوثيقة مع نساء الأردن، خاصة في الشمال، وحضورها الذي أضفى على بيت الحكم طابعًا إنسانيًا واجتماعيًا راسخًا. وبذلك، شكّلت إحدى البدايات الحقيقية لمسار الدور النسوي الأردني.
وفي تلك المرحلة، كانت المرأة الأردنية في البادية والريف والمدينة عماد الأسرة، وشريكًا في الحياة اليومية والإنتاجية، كما بدأت بوادر التعليم والعمل الاجتماعي والخيري بالظهور، إلى جانب دورها في دعم الثورة العربية الكبرى، مما مهّد لمرحلة جديدة من الحضور النسوي في الدولة.
ومع استقلال المملكة عام 1946، ودخول الأردن مرحلة الدولة الحديثة، شهد دور المرأة الأردنية تطورًا تدريجيًا، حيث بدأت تتوسع مشاركتها في مجالات التعليم والعمل العام، خاصة في عهد طلال بن عبد الله، الذي رسّخ الدستور الأردني، واضعًا الأساس القانوني لحقوق المواطنين، بما في ذلك المرأة.
ثم جاء عهد الحسين بن طلال، ليشكّل نقطة تحول نوعية في تمكين المرأة، حيث توسعت فرص التعليم بشكل كبير، وارتفعت نسبة التحاق الفتيات بالمدارس والجامعات، وبدأت المرأة تدخل مجالات العمل المختلفة، من التعليم والصحة إلى الإدارة والخدمة العامة. كما شهدت هذه المرحلة بداية المشاركة السياسية للمرأة، حيث حصلت على حق الانتخاب والترشح، لتُتوّج بفوز توجان الفيصل كأول امرأة تدخل البرلمان عام 1993، وتعيين إنعام المفتي كأول وزيرة في تاريخ المملكة عام 1979.
وفي موازاة ذلك، دخلت المرأة الأردنية مجالات نوعية غير تقليدية، حيث برزت في السلك القضائي من خلال القاضية تغريد حكمت كأول قاضية عام 1996، كما اقتحمت مجالات الطيران المدني والعسكري، من خلال نماذج ريادية مثل الكابتن سمر العوران، والكابتن كارول الربضي، وصولًا إلى إنجاز الملازم سبأ الذنيبات، إلى جانب الدور المتميز للأميرة سلمى بنت عبد الله الثاني في سلاح الجو الملكي الأردني.
ومع تولي عبد الله الثاني بن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999، دخلت المرأة الأردنية مرحلة جديدة من التمكين الشامل، حيث أصبح حضورها جزءًا من مشروع التحديث الوطني، القائم على الاستثمار في الإنسان وتعزيز المشاركة في مختلف المجالات.
وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لجلالة الملكة رانيا العبدالله، التي شكّلت نموذجًا معاصرًا للمرأة الأردنية القيادية، حيث قادت جهودًا نوعية في تطوير التعليم، ودعم الطفولة، وتمكين المجتمعات، وتعزيز دور المرأة والشباب، وأسهمت في نقل صورة المرأة الأردنية إلى العالمية بوصفها شريكًا فاعلًا في التنمية وصناعة المستقبل.
وفي موازاة مسار التمكين المدني، شهدت المرأة الأردنية حضورًا متقدمًا في المجال العسكري والأمني، لتصبح شريكًا مباشرًا في حماية الوطن وصون استقراره. فقد بدأت مشاركتها منذ خمسينيات القرن الماضي في مجالات التعليم العسكري، قبل أن تتعزز بشكل مؤسسي مع تأسيس كلية الأميرة منى للتمريض عام 1962، ثم محطة التحول الكبرى مع إنشاء مديرية شؤون المرأة العسكرية عام 1995، والتي أسهمت في توسيع أدوارها داخل القوات المسلحة الأردنية.
وتواصل هذا التطور مع تشكيل وحدات نسائية متخصصة في الشرطة العسكرية وسلاح الجو، لتتقدم المرأة لاحقًا إلى مجالات نوعية تشمل الاستخبارات، والعمليات الخاصة، وأمن المطارات، إلى جانب مشاركتها الفاعلة في قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. كما برز دورها في الخدمات الطبية العسكرية، والتدريب، والإطفاء، والعمل الإنساني، في صورة تعكس كفاءة عالية وانضباطًا مهنيًا متقدمًا.
وقد جاء هذا التقدم بدعم مباشر من القيادة الهاشمية، وفي مقدمتها عبد الله الثاني بن الحسين، إلى جانب أدوار بارزة لسمو الأميرة عائشة بنت الحسين في دعم المرأة العسكرية، ما أسهم في ترسيخ حضور “النشميات” كجزء أصيل من منظومة الأمن الوطني الأردني.
وقد انعكس هذا التوجه في توسع مشاركة المرأة في الحياة العامة، حيث وصلت إلى مواقع قيادية متقدمة في الحكومة، والبرلمان، والقضاء، والسلك الدبلوماسي، والقطاع الخاص، كما تعزز دورها في ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي، وأصبحت جزءًا أساسيًا من مسار التحديث السياسي والاقتصادي في الدولة.
وفي الوقت ذاته، واصلت المرأة الأردنية دورها الاجتماعي العميق، محافظةً على تماسك الأسرة، ومساهمةً في بناء المجتمع، ومتقدمةً في التعليم والصحة والعمل، في صورة تعكس توازنًا فريدًا بين الأصالة والتحديث.
وهكذا، تمتد سردية المرأة الأردنية من جذورها في مرحلة التأسيس مع الملكة مصباح بنت ناصر، إلى آفاق التمكين المعاصر مع الملكة رانيا العبدالله، مرورًا بمحطات وطنية كانت فيها المرأة شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة وحمايتها.
فلم تكن المرأة الأردنية يومًا مجرد جزء من المجتمع، بل كانت في كل مرحلة ركيزة من ركائز الوطن…
حاضرة في الأرض، فاعلة في الإنسان، ومستمرة في صناعة المستقبل.
المراجع
أولًا: المصادر الملكية والرسمية
الديوان الملكي الهاشمي. (د.ت).
السيرة الذاتية للملكات الهاشميات ودور المرأة في التنمية في الأردن.
عمّان: الديوان الملكي الهاشمي.
الملكة رانيا العبدالله. (د.ت).
مبادرات التعليم وتمكين المرأة والطفل في الأردن.
عمّان: المكتب الملكي / المبادرات الملكية.
القوات المسلحة الأردنية. (د.ت).
تاريخ مشاركة المرأة في القوات المسلحة الأردنية.
عمّان: مديرية التوجيه المعنوي.
ثانيًا: المؤسسات الحكومية الأردنية
المجلس الأعلى للسكان. (د.ت).
تطور دور المرأة الأردنية في المجتمع والتعليم والعمل.
عمّان: المجلس الأعلى للسكان.
وزارة التنمية الاجتماعية الأردنية. (د.ت).
المرأة الأردنية والتنمية الاجتماعية وتمكين المرأة.
عمّان: الوزارة.
المجلس الوطني لشؤون الأسرة. (د.ت).
دور المرأة والأسرة في التنمية الوطنية.
عمّان: المجلس الوطني.
دائرة الإحصاءات العامة الأردنية. (د.ت).
بيانات مشاركة المرأة في التعليم والعمل والقطاعات المختلفة.
عمّان: الحكومة الأردنية.
ثالثًا: التعليم والبحث الأكاديمي
الجامعة الأردنية.
دراسات حول المرأة الأردنية: التمكين الاجتماعي والسياسي.
عمّان: كلية الدراسات العليا.
جامعة اليرموك.
أبحاث في تاريخ المرأة الأردنية ودورها في الدولة الحديثة.
إربد: مركز الدراسات.
مركز الدراسات الاستراتيجية.
المرأة الأردنية والمشاركة السياسية والعسكرية.
عمّان: الجامعة الأردنية.
رابعًا: مصادر تاريخية وإعلامية
وكالة الأنباء الأردنية (بترا).
أرشيف إنجازات المرأة الأردنية في مختلف القطاعات.
عمّان: بترا.
صحيفة الرأي.
ملفات وتقارير حول المرأة الأردنية وتمكينها.
عمّان: مؤسسة الرأي.
خامسًا: مصادر دولية داعمة (مساندة وليست أساسية)
الأمم المتحدة للمرأة.
تقارير حول تمكين المرأة في الأردن (Jordan Country Reports).


